محمد بن محمد ابو شهبة
256
المدخل لدراسة القرآن الكريم
قطعا ، أما أصل المشروعية فللعلماء فيها خلاف كما ذكرت ، وأيضا وليكون ذلك من أعلام صدقه ، ودلائل نبوته صلى اللّه عليه وسلم . ومن أمثلة ما تأخر نزوله عن حكمه : 1 - آية الوضوء ؛ ففي صحيح البخاري عن عائشة قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة ، فأناخ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا ، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة ، وقال : حبست الناس في قلادة ، ثم إن النبي صلى اللّه عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فالآية مدنية إجماعا ، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة ؛ قال ابن عبد البر : معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء ، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند ، قال : والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل ، وجوز غيره أن يكون أول الآية نزل مقدما مع فرض الوضوء ، ثم نزل بقيتها ، وهو ذكر التيمم في هذه القصة ، ويرد هذا الاحتمال أن الآية مدنية بالإجماع . 2 - آية الجمعة « 1 » فإنها مدنية ، والجمعة فرضت بمكة ، وأما ما قاله ابن الغرس : إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط فيرده ما أخرجه ابن ماجة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : كنت قائد أبي حين ذهب بصره ، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الآذان يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة فقلت : يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا قال : أي بني كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة ؛ أقول : وهذا إنما يصلح للرد إن أراد ابن الغرس بقوله هنا إنها لم تفرض قبل الهجرة ، أما إن أراد أنها لم تؤد بجماعة بمكة فلا يصلح ردّا عليه .
--> ( 1 ) [ الجمعة : 9 ] .